رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
361
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
أقول : لا يخفى أنّ هذا الوجه وما أوردته سابقاً - من الاحتمالات التي سمحت بها قريحتي القاصرة - لا يخلو كلّ منها من تكلّف ، وقد قيل فيه وجوهٌ اخر أعرضت عنها ؛ لعدم موافقتها لُاصولنا . والأظهر عندي أنّ هذا الخبر موافق لما مرّ ، وسيأتي في كتاب العدل من أنّ المعرفة من صنعه تعالى ، وليس للعباد فيها صنع ، وأنّه تعالى يهبها لمن طلبها ، ولم يقصر فيما يوجب استحقاق إفاضتها ، والقول بأنّ غيره تعالى يقدر على ذلك نوعٌ من الشرك في ربوبيّته وإلهيّته ؛ فإنّ التوحيد الخالص هو أن يعلم أنّه تعالى مفيض جميع العلوم والخيرات والمعارف والسعادات ، كما قال تعالى : « ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ » « 1 » . فالمراد بالحجاب إمّا أئمّة الضلال وعلماء السوء الذين يدّعون أنّهم يعرفون اللَّه بعقولهم ، ولا يرجعون في ذلك إلى حجج اللَّه ؛ فإنّهم حجب يحجبون الخلق عن معرفته وعبادته ، فالمعنى أنّه تعالى إنّما يعرف بما عرّف به نفسه للناس ، لا بأفكارهم وعقولهم ، وأئمّة الحقّ أيضاً ؛ فإنّهم ليس شأنهم إلّابيانَ الحقّ للناس ، فأمّا إفاضة المعرفة والإيصال إلى البُغية فليس إلّامن الحقّ سبحانه ، كما قال سبحانه : « إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ » « 2 » . ويجري في الصورة والمثال ما مرَّ من الاحتمالات ، فقوله عليه السلام : « ليس بين الخالق والمخلوق شيء » أي ليس بينه وبين خلقه حقيقة أو مادّة مشتركة حتّى يمكنهم معرفتُه من تلك الجهة ، بل أوجدهم لا من شيء كان . قوله عليه السلام : « غير الواصف » يحتمل أن يكون المراد بالواصف الاسمَ الذي يصف الذات بمدلوله . قوله : « فمن زعم أنّه يؤمن بما لا يعرف » أي لا يؤمن أحد باللَّه إلّابعد معرفته ، والمعرفة لا تكون إلّامنه ، فالتعريف من اللَّه ، والإيمان والإذعان وعدم الإنكار من الخلق . ويُحتمل أن يكون المراد على بعض الوجوه السابقة بيانَ أنّه وإن لم يعرف بالكنه لكن لا يمكن الإيمان إلّابعد معرفته بوجه من الوجوه ، فيكون المقصود نفيَ التعطيل . والأوّل أظهر .
--> ( 1 ) . النساء ( 4 ) : 79 . ( 2 ) . القصص ( 28 ) : 56 .